قال كانان تيركان أستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة إسطنبول أيدن، إن تركيا ومصر تمثلان قوتين حاسمتين في شرق المتوسط والشرق الأوسط، ويحمل مسار علاقاتهما أهمية بالغة، ليس فقط على الصعيد الثنائي، بل أيضًا على صعيد التوازنات الإقليمية والعالمية.
وأضاف في مقال نشرته صحيفة "ديلي صباح"، أنه بعد القطيعة المفاجئة عام 2013، عادت روح التحالف إلى الظهور، وقد دفعت بيئة التنافس الإقليمي مصر نحو تركيا. علاوة على ذلك، توسعت العلاقات لتشمل أبعادًا عسكرية وأمنية، بعد أن كانت تجارية، مما يُهيئ أرضية جديدة للتقارب الاستراتيجي.
العوامل الدافعة لتقارب
وأشار تيركان إلى أنه من أهم العوامل الدافعة لهذا التقارب الأزمات الأمنية المتعددة الأوجه التي تعصف بالمنطقة، فقد تصاعدت التطورات في دول الجوار المصري، ولا سيما السودان وغزة، إلى تهديدات مباشرة للأمن القومي المصري. كما تسببت عمليات الحوثيين في اليمن بخسائر تجارية فادحة لمصر.
ولفت إلى أن الاشتباكات التي اندلعت عام 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع في السودان تُهدد أمن البحر الأحمر. وفي الوقت نفسه، تُؤكد الادعاءات الدولية بأن إيران تدعم فصائل مُعينة عبر تدفقات أسلحة غير مباشرة، على ترسيخ حروب الوكالة في المنطقة.
وقال تيركان إن استراتيجية إيران تتجلى في ممارسة نفوذها، لا بشكل مباشر بل عبر وكلاء، على طول المثلث الممتد بين السودان واليمن وغزة، كما يُشير ميل "الجماعات الإرهابية" إلى الانتشار عبر الحدود إلى زعزعة استقرار الحدود الجنوبية لمصر.
وعلى جبهة غزة، بين أن الحرب بين حماس وإسرائيل، ولا سيما مع اقترابها من معبر رفح الحدودي جرّت مصر إلى قلب الأزمة. وقد أثارت السيطرة العسكرية الإسرائيلية المشددة حول معبر رفح الحدودي ومحاولاتها إنشاء مناطق عازلة مخاوف أمنية بالغة في القاهرة. وتخشى مصر من أن يؤدي خروج غزة عن السيطرة تمامًا إلى تهديد أمني قد يمتد إلى شبه جزيرة سيناء.
واعتبر تيركان أن مما يزيد الوضع تعقيدًا تصاعد التوتر العسكري في البحر الأحمر، فقد باتت قدرة إيران على تعطيل حركة الملاحة البحرية عبر الحوثيين في اليمن عاملاً يؤثر بشكل مباشر على أمن قناة السويس. وتزيد المخاطر على طول هذا المحور، الذي يمر عبره ما يقارب 10-12% من التجارة العالمية، من هشاشة الاقتصاد المصري، كما أن انخفاض عائدات قناة السويس يجعل خيارات القاهرة في السياسة الخارجية أكثر واقعية.
من اليونان إلى تركيا
وأوضح أنه اعتبارًا من عام 2020، دخلت اتفاقيات التعاون البحري طويلة الأمد بين مصر واليونان في شرق المتوسط مرحلة إعادة تقييم. وعلى الرغم من أن الاتفاقيات مع اليونان حققت مكاسب معينة لمصر، إلا أن هذه المعادلة، التي استبعدت تركيا عمدًا، لم تُفضِ إلى توازن جيوسياسي مستدام.
وتابع: "بل على العكس، تتزايد التقييمات التي تشير إلى أن اتفاقية محتملة للولاية القضائية البحرية مع تركيا قد تفتح أمام مصر آفاقًا اقتصادية أوسع بكثير. ونتيجة لذلك، تسعى حكومة القاهرة إلى وضع استراتيجية أكثر توازنًا مع أنقرة، دون قطع علاقاتها تمامًا مع أثينا".
وذكر تيركان أن "موقع مصر الجغرافي، إلى جانب مناطق النزاع في الشرق الأوسط وأفريقيا، يدفعها نحو شراكات أمنية قوية تتجاوز الاتفاقيات البحرية. فبعد أن انخرطت مصر في تعاون عسكري ودفاعي مع اليونان ضد تركيا في السنوات الأخيرة، أعادت توجيه جهودها نحو أنقرة، لأن هذه الشراكة أثبتت عدم كفايتها لأمنها، ولأنها كانت تقوم على أسس هشة. فاليونان دولة ذات قدرة دفاعية أقل بكثير من تركيا، ودعمها لمصر في مواجهة محتملة مع إسرائيل يبقى أمرًا مستبعدًا للغاية".
ومن منظور موازين القوى الإقليمية، يخلص الكاتب إلى أن مصر تتعرض لضغوط متزامنة على جبهات متعددة؛ فالسياسات الأمنية الإسرائيلية، واستراتيجية النفوذ الإقليمي لدولة الإمارات العربية المتحدة، ومطالب اليونان المتشددة في شرق المتوسط، كلها عوامل قد تدفع مصر إلى عزلة استراتيجية.
ضرورة جيوسياسية
وأوضح تيركان أنه عند هذه النقطة، يبرز التقارب مع تركيا ليس كخيار للقاهرة، بل كضرورة جيوسياسية؛ فتركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، تقدم قدرات عسكرية ودفاعية قوية، وقوة بحرية، وشبكة دبلوماسية إقليمية، تتناغم بشكل مباشر مع سعي مصر الحثيث لاستعادة التوازن.
علاوة على ذلك، يُظهر تحليل العقيدة العسكرية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة أنه بينما يُشكّل الشعور بالتهديد أولويةً قصوى في أجندة الأمن الإسرائيلية، فإن جهات فاعلة أخرى مؤثرة في المنطقة تُقيّم أيضاً كمخاطر محتملة طويلة الأمد على إسرائيل، بحسب الكاتب.
وبين أنه على الرغم من أن استهداف إسرائيل لمصر بشكل مباشر يبدو مستبعدًا على المدى القريب، فإن استراتيجيات الاحتواء، مثل "من نهر مصر إلى الفرات"، وآليات الضغط غير المباشر، تُفاقم شعور القاهرة بالتهديد. وفي الواقع، يتمركز جنود إسرائيليون حاليًا عند باب رفح على الحدود المصرية، ويظل هذا الموقع بالغ الأهمية لأهداف إسرائيل الاستراتيجية.
أحداث الخليج العربي
وأشار الأكاديمي التركي إلى أن أحداث الخليج العربي في عام 2025 عززت هذا التصور. ولا يزال الجدل قائمًا حول الهجوم الصاروخي الإسرائيلي على قطر، التي تعمل تحت مظلة الأمن الأمريكي، والادعاءات بدعم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لهذا الهجوم.
ولقت إلى هذا الوضع قد أثار حالة من الذعر داخل الإدارة المصرية، وحفز التوتر في المنطقة ردود الفعل الأمنية المصرية. واقترحت مصر تشكيل جيش عربي لمواجهة إسرائيل، وأعلنت أنها ستنشر 20 ألف جندي ضمن هذه القوة. إلا أن محدودية القدرة على العمل الجماعي داخل العالم العربي تدفع مصر نحو البحث عن تحالفات بديلة.
وفقُا للكاتب، دفعت هذه التطورات مصر إلى الابتعاد عن التحالف مع شريك إسرائيل، الثنائي اليوناني القبرصي ذي القدرات العسكرية المحدودة، نحو التقارب مع تركيا، التي تتمتع بنفوذ إقليمي كبير وقوة عسكرية هائلة.
واستطرد: "من جهة أخرى، يبقى مستقبل الشراكة اليونانية الإسرائيلية غامضًا. وفي خضم هذا الوضع، حيث يسود التردد الشعبي، من المعلوم أيضًا أن المستوطنات الإسرائيلية قد بدأت في الشق الآخر من الشراكة، جنوب قبرص، وأن هذه العملية تفتقر إلى الموافقة المحلية".
وأردف قائلاً: "يرتكز التقارب التركي المصري على ضرورة جيوسياسية هيكلية، فالتنافس المتزايد على امتداد المحور الاستراتيجي الشاسع الممتد من البحر الأحمر إلى شرق المتوسط يدفع الدولتين القويتين في هذه المنطقة الجغرافية نحو التعاون بدلاً من المواجهة".
وقال إنه "فيما يتعلق بأمن الطاقة، وحماية طرق التجارة البحرية، واحتواء الحروب بالوكالة، وصياغة سياسات التوازن الإقليمي، قد يبرز محور أنقرة-القاهرة كخط حاسم في الفترة المقبلة".
نقطة تحول استراتيجية تؤثر على حوضي البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر
وفي هذا الإطار، أوضح أن التعاون متعدد الأبعاد الذي ستطوره تركيا ومصر يمتلك القدرة على أن يشكل نقطة تحول استراتيجية ستؤثر ليس فقط على مستقبل البلدين، بل أيضًا على مستقبل حوضي البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر. ويسعى البلدان إلى تعزيز وجودهما من خلال توسيعه في الأحداث الجارية المتعلقة بليبيا والسودان والصومال وغزة وسوريا.
بالنظر إلى اعتماد مصر الاقتصادي على الولايات المتحدة واتفاقياتها مع إسرائيل، استنتج الكاتب أن مصر تتعامل مع تركيا عبر دبلوماسية متعددة الأوجه. أما تركيا، فتتعامل مع هذه الشراكة بالتركيز على تعزيز مكانتها الإقليمية القوية من خلال تحالفها مع الولايات المتحدة، وعضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وعلاقاتها المتوازنة مع روسيا.
وتوقع أن منطقة شرق المتوسط والبحر الأحمر والشرق الأوسط ستظل مركزًا للتوترات الجيوسياسية العالمية خلال الفترة المقبلة. وباعتبارهما قوتين مؤثرتين في المنطقة، تتمتعان بقدرات عسكرية ومواقع جيوسياسية بارزة، فإن الشراكة الحتمية بين مصر وتركيا على هذا المحور تُعدّ أساسية لتحقيق السلام الإقليمي. وسيكشف المستقبل عن كيفية ترسيخ هذه الشراكة، والجهات الفاعلة التي ستنضم إلى هذا التكوين الجيوسياسي.
https://www.dailysabah.com/opinion/op-ed/ankara-cairo-ties-reshaping-the-east-med-red-sea-corridor

